
عندما يتكلم الميت: الذكاء الاصطناعي، الذاكرة الرقمية والخلود الافتراضي للجنود الشهداء
تقدم شركات التكنولوجيا اليوم إمكانية الحفاظ على صوت الشهداء وحركاتهم وشخصياتهم إلى الأبد. هل هذا عزاء؟ أم اقتحام لما هو محرّم؟ وماذا يقول الفقه الهلاخي؟
مقدمة: محادثة مع من لم يعد موجوداً
تخيّل ذلك: أمٌّ ثكلى تجلس أمام شاشة، تكتب وتتلقى رداً. ليس رداً من بوت اعتيادي، بل صوتٌ مألوف، نبراتٌ مألوفة، نكتةٌ خاصة لم يعرفها سواهما. هذا ليس خيالاً علمياً. إنه يحدث الآن.
شركات مثل HereAfter AI وStoryFile و You, Only Virtual تعرض الحفاظ على "ذات" الإنسان بعد وفاته، استناداً إلى ساعات من التسجيلات والرسائل والمنشورات على الإنترنت وخوارزميات تتعلم الأنماط. العائلات الثكلى لجنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذين سقطوا في حرب "السيوف الحديدية" هي تحديداً الجمهور الذي تخاطبه هذه التكنولوجيا، وهذا أمرٌ لا يمكن تجاهله.
ما هي "الذاكرة الرقمية" أصلاً؟
تعمل التكنولوجيا على عدة طبقات. على المستوى الأساسي: الأرشفة، حفظ الرسائل والصور ومقاطع الفيديو وقوائم التشغيل. على المستوى المتقدم: نموذج ذكاء اصطناعي مدرَّب على كل ذلك، وقادر على محاكاة المحادثة والإجابة عن الأسئلة، بل والتصرف "على غراره" في سياقات جديدة. وفي المرحلة الأكثر تطوراً: صورة رمزية ثلاثية الأبعاد تتحرك وتتكلم.
مشروع StoryFile الذي طُوِّر في الولايات المتحدة، حفظ بالفعل شهادات ناجين من المحرقة النازية بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتيح للأطفال طرح أسئلة وتلقي إجابات حقيقية. فكّرت مؤسسة "يد وشيم" في اعتماد تكنولوجيا مماثلة. والسؤال: هل ما هو صائب لناجين من المحرقة رحلوا في سن متقدمة، صائبٌ أيضاً لجندي في الثانية والعشرين من عمره سقط في غزة؟
ماذا يقول الفقه الهلاخي؟ بين تعزية المحزونين و"الدروشة للأموات"
يتناول الفقه اليهودي منذ مئات السنين مسألة الحد الفاصل بين الأحياء والأموات. حُكم بتحريم "الدروشة للأموات" (سفر التثنية ١٨:١١) باعتباره نهياً تورياً عن محاولة التواصل مع الموتى. ويوضح الرمبام أن التحريم يتعلق بـ"الوهم الكاذب"، أي جعل الإنسان يعتقد أن الميت يخاطبه.
الحاخام يوفال شيرلو، رئيس مركز الأخلاق في منظمة حاخامي تزوهار وأحد أبرز مرجعيات الفقه الهلاخي في مجال التكنولوجيا، تناول هذه المسألة مباشرة. وبحسبه، تكمن المشكلة الأساسية في التمثيل الرقمي للمتوفين في تحريم التضليل: الذكاء الاصطناعي يتيح بناء شخصيات تقول أشياء لم يقلها الإنسان قط. غير أنه يُفرّق: إذا كانت الأسرة تعلم يقيناً أنه محاكاة وهناك شفافية كاملة، فربما لا يوجد تحريم، بل هو مجرد أداة تذكّر متطورة. أما إذا وُجد تضليل، حتى ذاتي، فهذا خطير فقهياً ونفسياً على حد سواء.
كما تدخل في الصورة مسألة احترام الميت. يُشير الحاخام شيرلو إلى أن الفقه الهلاخي يُقر بحق الإنسان في جسده وصورته، ولذلك فإن مسألة موافقة المتوفى نفسه تبقى محورية: من لم يُفصح عن رأيه في حياته، مشكوك في جواز تمثيله رقمياً حتى بنوايا حسنة.
سؤال فقهي مفتوح: هل يُجيز التجنيد الرقمي جندياً أعرب صراحةً عن موافقته في حياته ("يمكنكم استخدام بياناتي لحفظ الذاكرة")؟ معظم الفقهاء لم يبتّوا بعد في المسألة، وهي سؤال وصل إلى بيوت الدرس الآن.
علم النفس: عزاء أم عائق أمام الحداد؟
حتى لو أرجأنا المسألة الفقهية لحظةً، يتكلم علم النفس بصراحة تامة. تقوم عملية الحداد، وفق كل مدرسة نفسية من فرويد حتى كوبلر-روس، على استيعاب "العدم". تفقد، تتألم، وشيئاً فشيئاً تتعلم العيش مع الغياب. مؤلمٌ، لكنه صحي.
ماذا يحدث حين تُمكّن التكنولوجيا من عدم استيعاب "العدم"؟ حين تستطيع الأم إرسال رسالة لابنها الشهيد وتتلقى رداً "منه"؟ يحذر باحثون من جامعة كامبريدج من "الحزن المعقد"، حزن متشابك لا ينتهي، وتعلق بحضور وهمي يحول دون الشفاء الحقيقي.
في المقابل، ثمة شهادات من عائلات ثكلى وجدت في أرشيف مقاطع الفيديو لذويها موارد هائلة: سماع الضحكة مرة أخرى، رؤية طريقة المشي، تذكّر عبق الشخصية. وهذا يختلف عن بوت ذكاء اصطناعي يردّ: إنه وثيقة أصيلة، متجمدة في الزمن، لا تدّعي أنها حية.
إسرائيل 2026: الواقع الذي حلّ بالفعل
عقب السابع من أكتوبر، بدأت عشرات العائلات الثكلى في إسرائيل توثيق ذكريات ذويها بشكل منهجي: مقاطع فيديو وتسجيلات ومقابلات. بعضهن فعلن ذلك بدافع غريزي، وبعضهن بتوجيه من جمعيات. وبدأت أسئلة تطفو على السطح: ماذا نفعل بهاتف الشهيد؟ من يحق له الوصول؟ هل ننشر؟
بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي نفسه توثيق شهادات الجنود قبل العمليات، ليس كذكاء اصطناعي للمستقبل، بل كوثيقة إنسانية. خطوة متواضعة، لكنها تُشير نحو اتجاه: الدولة تُدرك أن الذاكرة الرقمية سؤال ينبغي الإجابة عنه قبل أن تجيب عنه التكنولوجيا بنفسها.
حدود يجب رسمها: الآن
ثمة أسئلة عدة يجب أن يشرع المجتمع الإسرائيلي، الديني والعام، في مناقشتها بانفتاح: من يمتلك البيانات الرقمية لجندي شهيد، الأسرة، الدولة، أم شركة التكنولوجيا؟ هل يستطيع الجندي أن يُوصي في حياته بكيفية إدارة هويته الرقمية بعد وفاته؟ هل يحتاج جيش الدفاع الإسرائيلي إلى سياسة واضحة في هذا الشأن؟ وهل ينبغي للفقهاء الهلاخيين إصدار فتوى واضحة قبل أن يفرض السوق معاييره؟
لا توجد إجابة واحدة صحيحة هنا. ثمة بحرٌ من الأسئلة الحقيقية، المؤلمة والملحّة، التي تنتظر نقاشاً جاداً خارج منصة تيك توك.
خلاصة: الذاكرة ملكٌ للإنسان، لا للخوارزمية
في يوم الذكرى نقف دقيقتين ونسمع صفارة الإنذار. هذا فعلٌ إنساني عميق: يتوقف الجسد، يتغير نبض القلب، تنبثق الدمعة. لا ذكاء اصطناعي يستطيع استنساخ ذلك. ولا صورة رمزية رقمية يمكنها أن تحل محل المعرفة المؤلمة بأنه رحل.
ستعرض علينا التكنولوجيا المزيد والمزيد من طرق "الحفظ". أما التحدي الذي يواجه الجيل الديني القومي، وكل إسرائيل، فهو أن يقرر ما يستحق الحفظ، وما يجب أن يُتركَ ليستريح في صمت. الذاكرة الحقيقية ليست في خادم سحابي. إنها في القلب، في الحكاية، في الاسم الذي يُذكر يوم السبت.



